ابن كثير
242
البداية والنهاية
الأمين واستقام حاله حسده أخوه المأمون ووقع الخلف بينهما على ما سنذكره إن شاء الله تعالى . اختلاف الأمين والمأمون كان السبب في ذلك أن الرشيد لما وصل إلى أول بلاد خراسان وهب جميع ما فيها من الحواصل والدواب والسلاح لولده المأمون ، وجدد له البيعة ، وكان الأمين قد بعث بكر بن المعتمر بكتب في خفية ليوصلها إلى الأمراء إذا مات الرشيد ، فلما توفي الرشيد نفذت الكتب إلى الأمراء وإلى صالح بن الرشيد ، وفيها كتاب إلى المأمون يأمره بالسمع والطاعة ( 1 ) ، فأخذ صالح البيعة من الناس إلى الأمين ، وارتحل الفضل بن الربيع بالجيش إلى بغداد وقد بقي في نفوسهم تحرج من البيعة التي أخذت للمأمون ، وكتب إليهم المأمون يدعوهم إلى بيعته فلم يجيبوه ، فوقعت الوحشة بين الأخوين ، ولكن تحول عامة الجيش إلى الأمين ، فعند ذلك كتب المأمون إلى أخيه الأمين بالسمع والطاعة والتعظيم ، وبعث إليه من هدايا خراسان وتحفها من الدواب والمسك وغير ذلك ، وهو نائبه عليها ، وقد أمر الأمين في صبيحة يوم السبت بعد أخذ البيعة يوم الجمعة ببناء ميدانين للصيد ، فقال في ذلك بعض الشعراء : بنى أمين الله ميدانا * وصير الساحة بستانا وكانت الغزلان فيه بانا * يهدى إليه فيه غزلانا وفي شعبان من هذه السنة قدمت زبيدة من الرقة بالخزائن وما كان عندها من التحف والقماش من الرشيد ، فتلقاها ولدها الأمين إلى الأنبار ومعه وجوه الناس . وأقر الأمين أخاه المأمون على ما تحت يده من بلاد خراسان والري وغير ذلك ، وأقر أخاه القاسم على الجزيرة والثغور ( 2 ) ، وأقر عمال أبيه على البلاد إلا القليل منهم . وفيها مات نقفور ملك الروم ، قتله البرجان ، وكان ملكه تسع ( 3 ) سنين ، وأقام بعده ولده استبراق شهرين فمات ، فملكهم ميخائيل زوج أخت نقفور لعنهم الله . وفيها تواقع هرثمة نائب خراسان ورافع بن الليث فاستجاش رافع بالترك ثم هربوا وبقي رافع وحده فضعف أمره . وحج بالناس نائب الحجاز داود بن عيسى بن موسى بن محمد بن علي . وفيها توفي :
--> ( 1 ) نسخة كتاب الأمين إلى المأمون وصالح أخويه في الطبري 10 / 125 - 126 . ( 2 ) قال ابن الأثير 6 / 226 : عزله عن الجزيرة وأقره على قنسرين والعواصم . واستعمل على الجزيرة خزيمة بن خازم . ( 3 ) في ابن الأثير : سبع .